هل رفع الذكاء الاصطناعي مستوى كتابة منافسيك إلى مستواك؟ هذه طريقتك الوحيدة للتقدم

خبيرة محتوى تختار البطاقة الذهبية المتميّزة من بين مخرجات ذكاء اصطناعي متشابهة، تجسيداً لمهارة التمييز

قبل سنوات قليلة، كان محتوى منافسك أضعف من محتواك بمسافة واضحة. لكن اليوم يكفي أن تفتح LinkedIn: فتجد أن كتابة منافسك صارت نظيفة، مرتّبة، وتشبه في المستوى كتابتك تماماً.

الأكيد أنه لم يتحسّن فجأة، بل أدخل أدوات ذكاء اصطناعي ضمن مسار عمله (Workflow)، مثله مثل الجميع.

الأداة (سواء كانت ChatGPT، أو Claude، أو Gemini أو أية أداة أخرى) رفعت مستوى كتابة الجميع لدرجة أن امتلأ السوق بنصوص متماثلة، نظيفة ومرتّبة، لكنها تُنسى بعد فترة وجيزة.

وحين يتشابه كل شيء، يبقى سؤال واحد مهم: ما الذي يفصل خبيراً ينشر محتوى يبيع عن خبير يذوب وسط الحشود؟

مهارتان منفصلتان: أن تصنع، وأن ترى

تخيل معي أن تتذوّق طبقاً لم تطبخه، وستعرف من أول لقمة أنه فاشل: ملح زائد، ولحم جاف. أنت لا تطبخ، ومع ذلك حكمك دقيق. هذه المفارقة الصغيرة هي مفتاح المقال كله.

مهارة التنفيذ (Savoir-Faire): في تقاليد الحِرف الفرنسية، اشتهرت عبارة -نقلتها الكثير من لغات العالم- هي (Savoir-Faire)، أي «معرفة كيف تصنع». هي الأداء بيدك: كأن تتعلم القيادة فتتقن تغيير السرعات، وتتعلم الكتابة فتصوغ جملة سليمة. باختصار هي الفعل نفسه.

لكن الذكاء الاصطناعي (AI) رفع مستوى مهارة التنفيذ (Savoir-Faire) لدى الجميع، بحيث تشعر أن الكثيرين صارت لدهم إمكانية إنجاز أعمال تقترب في مستواها من مستوى العمل الذي قضيتَ سنوات في تعلمه.

لكن تظل مهارة واحدة هي التي ستحدد الفرق وتصنع لك التميّز عن الآخرين، بل ويصعب عليهم منافستك عليها. هناك من أسماها مهارة التمييز “Savoir-Voir”.

مهارة التمييز (Savoir-Voir) تعني «معرفة كيف ترى». هي أن تعرف الجيد من الرديء في مجالك، وأن تسمّي السبب بدقة. لا تنفّذ، بل تحكم على التنفيذ: تفرّق بين سائق ممتاز وآخر عادي، وتعرف لماذا.

أي أن تمتلك مهارة “أن ترى ما لا يراه الآخرون”، وهذه هي الجزئية التي ستصنع الفرق بينك كخبير حقيقي وبين بقية من هم دون ذلك.

المهارتان “التنفيذ والتمييز” تنموان معاً في كل صنعة لكنهما منفصلتان، والدليل أنك تملك التمييز في مجالات قد لا تتقن تنفيذها، تماماً كالطبق الذي حكمت عليه وأنت لا تقدر على عمل مثله.

سمّى Ira Glass هذه الظاهرة «فجوة الذوق» (The Taste Gap): في بداية أي حرفة، ذوقك يسبق إنتاجك بسنوات، وهذه الفجوة نفسها هي التي تدفعك للتحسّن.

لماذا لا يتجاوز عملك مستوى عينك؟

لأن عينك هي الحكم الأخير على كل شيء يخرج باسمك. العيب الذي لا تراه عينك لن تصلحه يدك، مهما كانت ماهرة.

مثلاً أن يمتلك استشاري خبرة 20 سنة على سبيل المثال، ولا يستطيع أن يحدد بدقة ما الذي يميز تقريراً ممتازاً عن تقرير مقبول، ستبقى أفضل تقاريره عادية. فالخبرة الطويلة ترفع مهارة التنفيذ، لكنها لا ترفع مهارة التمييز تلقائياً. التمييز يُبنى قصداً أو لا يُبنى.

ماذا غيّر الذكاء الاصطناعي (AI) في المعادلة؟

رفع (AI) مستوى التنفيذ عند الجميع بضع درجات، لكنه ترك مستوى التمييز كما هو.

إن كانت كتابتك – مثلاً – عند 5 من 10 نقاط، صارت مع أدوات (AI) عند النقطة 7. المشكلة أن كتابة منافسك التي كانت عند 3 نقاط فقط صارت 7 أيضاً. فالأرضية ارتفعت للجميع، والسقف بقي حيث كان: عند مستوى عين كل واحد منكما.

وهنا يبرز صاحب مهارة التمييز العالي، فيقرأ مخرجات أداة (AI) نفسها فيجدها فارغة، فيرفضها، ويعيد توجيهها، ويضيف ما ينقصها، حتى تصل إلى مستواه هو. الأداة واحدة والنتيجة مختلفة تماماً.

هذه ليست أزمة أدوات. هذه أزمة تمييز. والتمييز لا تقدمه لك الأدوات – أيا كانت- إذا لم يكن سقف رؤيتك أعلى من الآخرين.

ثلاثة أنواع من الخبراء أمام هذه الموجة

1. الرافض: رأى النصوص المتشابهة التي تنشئها أدوات الذكاء الاصطناعي فقرر المقاطعة ليحمي جودته. لكنه يخسر السرعة، ويترك مساحة الظهور لمن هم أقل منه خبرة وأكثر حضوراً.

2. المستهلك: ينسخ من الأداة ويلصق وينشر. ينتج كثيراً ويشبه الجميع. مع الوقت يدفع الثمن مرتين: قارئ لا يثق بمحتوى بلا شخصية، ومحركات بحث وإجابات ذكاء اصطناعي لا تستشهد بمحتوى يشبه ألف نص غيره.

3. الموجّه: يستخدم الأداة للتنفيذ ويحتفظ لنفسه بالحكم. يعرف الشكل الممتاز في مجاله، يرفض المسودة الفارغة، ويضيف ما لا تملكه الأداة: تجربته مع عملائه، رأيه المخالف، أرقامه الحقيقية.

السوق الخليجي والعربي يمتلئ الآن بالنوع الثاني. وهذا خبر جيد جداً للنوع الثالث “الموجّه”.

كيف تبني مهارة التمييز عملياً؟

بالمقارنة الواعية والنقد المكتوب، وليس بمزيد من الإنتاج. ثلاث عادات تكفي للبداية:

  1. قارن وسمِّ الفرق: خذ أفضل محتوى في مجالك وضعه بجانب محتواك. اكتب 3 فروق محددة. «محتواهم أفضل» ليست ملاحظة؛ «يفتتحون بالجواب وأنا أفتتح بالمقدمات» ملاحظة.
  2. علّل كل تعديل: كلما عدّلت نصاً أنتجته الأداة، اكتب سبب التعديل بجملة واحدة. هذه الجمل هي قواعد ذوقك وقد صارت مرئية لأول مرة.
  3. حوّل القواعد إلى قائمة عمل: اجمعها في ملف واحد يكبر كل أسبوع، وأعطه لأداة (AI) قبل كل نص جديد. بهذا يرتفع إنتاج الأداة نحو مستوى عينك، لا العكس.

بعد أشهر تصبح هذه القائمة أصلاً حقيقياً: منافسك يستطيع شراء الأداة نفسها في دقيقة، لكنه لا يستطيع نسخ عينك.

الخلاصة

الذكاء الاصطناعي جعل التنفيذ رخيصاً ومتاحاً للجميع، فرفع قيمة الشيء الوحيد الذي بقي نادراً: عين تعرف الممتاز حين تراه، وتعرف لماذا هو ممتاز.

المطابخ كلها حصلت على الوصفات نفسها. الفرق انتقل إلى الذوّاق الذي يقف عند الباب ويقرر أي طبق يستحق أن يخرج إلى الزبائن. وهذا الحكم هو ما يفصل المحتوى الذي يُستشهد به عن غيره، كما في تحويل الخبرة إلى تأثير.

درّب عينك قبل أن تدرّب أدواتك. وهذه العين هي ما يصنع الحضور الرقمي الذي يبيع بدلاً منك، لا عدد ما تنشره.

إن أردت أن ترى كيف يتحول هذا إلى نظام أسبوعي يحمل صوت خبرتك: اقرأ 90 دقيقة في الأسبوع تكفي.

تصفّح المدونة